منذ أيام، تعرّضت أمل (إسم مستعار) الى عنف جسدي من قبل زوجها، تركت المنزل وذهبت الى بيت أهلها لكنها لم تستطع أخذ ولديها معها. مشت ساعات لتصل عند أهلها إذ لم تجد من يوصلها، لم تقف أيه سيارة لتقلّها خوفاً من الكورونا. في اليوم الثاني، تعهّد الزوج في المخفر بأنه لن يضربها ثانية. عادت الى المنزل، لكنّها ليست المرّة الأولى التي يتعهّد فيها ويُخلّ بعدها بالتزاماته.

 وجدت أمل بيتاً تلجأ إليه، لكن هناك كثيرات غيرها يتعرّضن لعنف ولا مكان يذهبن إليه في الوضع الحالي. هناك سيّدة كانت تلجأ الى بيت أختها عند الحاجة، هذه المرّة اعتذرت الأخت عن استقبالها بسبب الخوف من الكورونا. كما أنّ المآوي التي تستقبل النساء المعنّفات عادة، لم تعد تستقبل حالات جديدة كما علمت كفى، للسبب ذاته.

سلمى (إسم مستعار) مُحتجزة في المنزل مع أبيها المعنّف، كانت في السابق تذهب الى العمل، “تغيّر جوّ وتتنفّس قليلاً” حسب تعبيرها، لكنها منذ الحجر المنزلي، “لم تعد تتنفّس”.

منذ انتشار كورونا والتزام البقاء في البيت، تتفاقم الخشية عالمياً على النساء والأطفال العالقين فيه مع شخص أو عدّة أشخاص معنّفين. فالبيت يُعتبر أصلاً من الأماكن الأكثر خطورة بالنسبة للنساء المعنّفات إذ أن أغلب جرائم قتل النساء التي تُرتكب تكون على يد شريك أو أحد أفراد العائلة بحسب تقرير للأمم المتّحدة، فكيف إذا لم يعد الخروج منه متاحاً إضافة الى الأوضاع الإقتصادية الصعبة والتي تفاقمت بسبب الوضع الصحي المستجدّ، والتي كلّها عوامل تزيد الضغط والتوتر وبالتالي يمكن أن تزيد من إحتمالات العنف الموجّه الى الفئات الهشّة.

الأرقام ودلالاتها

يقدّم مركزا الدعم في كفى في بيروت وفي البقاع خدمات إجتماعية ونفسية وقانونية للسيّدات اللواتي يلجأن إليهما طلباً للمساعدة، ويتابعانهنّ وأولادهنّ، ويستقبل خطّ الدعم الإخبارات على مدار الساعة.

منذ بداية شهر آذار، صارت كفى تتابع عملها مع السيدات عبر الهاتف، وبقي خط الدعم يستقبل الإخبارات والإتصالات على مدار الساعة. استقبلت كفى في شهر الحجر المنزلي 75 إتصالاً لنساء يتصّلن للمرة الأولى بكفى وهو عدد لا يتجاوز عدد الإتصالات التي تلقّتها كفى في شهر آذار من السنة الماضية. وعدد النساء اللواتي اتّصلن بالمساعدات الإجتماعيات للمتابعة هو 55.

تعتبر المساعدات الإجتماعيات في كفى أن الأرقام وأعداد الإتصالات لا تعكس بالضرورة واقع حال النساء في فترة الحجر، فصعوبة الإتصال وطلب المساعدة بوجود المعنّف في المنزل، وخاصة عندما يكون المنزل صغيراً، كبيرة، وكذلك الخوف.

هناك سيّدة تواصلت مع كفى طلباً للمساعدة من عند الجارة لأنها لم تستطع ولا بأي شكل الإتصال من البيت بوجود المعنّف فيه.

وقد لاحظنا في هذا الشهر ازدياداً للرسائل الخطية الخاصة التي تصلنا على وسائل التواصل الإجتماعي وخاصة عبر الفايسبوك. فالتواصل الخطّي يبدو أنه أكثر راحة وأماناً للسيّدات في مرحلة الحجر، لذلك ستعمل كفى في الفترة المُقبلة على تفعيل هذه الطريقة في التواصل.

تجدر الإشارة أيضاً الى أن الإتصالات التي كانت ترد الى مركز الدعم في البقاع من قبل لاجئات سوريات انخفضت منذ 13 آذار، إذ أن 70% من الإتصالات التي وردت منذ هذا التاريخ كانت من لبنانيات بعدما كانت النسبة في الأشهر السابقة هي 55% لبنانيات و45% سوريات.

إنخفاض نسبة الإتصالات من السوريات تُحيلة كفى الى عوامل متعدّدة، أهمّها حصار كورونا للناس وإلزامهم البقاء في منازلهم أو خيمهم، واشتداد الحصار على مخيمات اللاجئين السوريين في البقاع. لم يعد مسموحاً الخروج من المخيمات حتى لشراء الحاجيات الأساسية أو لسحب المال. والخدمات التي كانت تقدّمها المنظمات للعائلات أصبحت شبه معدومة.

في ظلّ هذا الوضع، يصعب التبليغ عن حالات عنف ويستحيل الخروج من المخيم لتقديم شكوى. إذ أن الخوف والتردّد اللذين كانا يمنعان اللاجئات من تقديم شكاوى في السابق بسبب تعذّر الحصول على إقامة، أصبحا مضاعفين. الأوليات الآن هي إيجاد سقف ومأكل.

مضمون الإتصالات

تمحور مضمون الإتصالات التي وردت الى مركزيّ الدعم في كفى حول النقاط التالية:

  • إستشارات قانونية متعلّقة بقضايا الضرب والإيذاء، مشاهدة أو إستلام أطفال وقضايا النفقة.
  • شكاوى تتعلّق بالأوضاع الإقتصادية وطلب مساعدات عينية وغذائية.
  • سؤال عن مأوى للجوء إليه.
  • تبليغات من النساء عن تعرّضهنّ للعنف.
  • إتّصالات من أمّهات للإبلاغ عن تعرّض بناتهنّ أو أبنائهنّ للضرب من قبل الزوج أو الطليق.  
  • تعبير عن الضغوط التي يعانين منها والخوف مما تحمله الأيام المُقبلة.

استحال إيجاد مأوى للسيدات المتّصلات أو تأمين بديل سكني لهنّ، إذ أن المآوي الموجودة لم تعد تستقبل نساء جديدات بسبب الكورونا كما ذكرنا سابقاً، فيُجبرن على البقاء في المنزل والصمت على العنف.

لذلك تعمل كفى على توفير بدائل للنساء في حال طالت الأزمة.

كما أن إقفال المحاكم وتأجيل الجسات المتعلقّة بقرارات الحضانة أو النفقة أو الطلاق زاد همّاً على هموم النساء. لذلك تقدّم كفى الدعم الإجتماعي النفسي للسيّدات عبر الهاتف لكي تساعدهنّ على تخطّي الفترة الصعبة هذه.

لاحظت كفى بأن طبيعة الإتصالات التي وردتها هذا الشهر تغيّرت عن السابق. إذ أنه وقبل الحجر المنزلي، كانت أغلب الإتصالات التي تردها، عدا عن حالات الطوارئ، تكون لـنساء بدائرة العنف، عانين لفترة طويلة مع المعنّف، لكّنهنّ قرّرن الإتصال بكفى وطلب المساعدة لمعرفة ما هي الحلول التي بحوزتهنّ أو كيفية المواجهة أو كيفية التعاطي مع الأطفال.

في شهر آذار، أغلبية الإتصالات التي وردت هي لنساء يتّصلن للمرة الأولى بكفى فوراً بعد تعرّضهن للعنف.

وهذا العنف، عند ما يقارب نصف المتّصلات، هو عنف استجدّ خلال فترة الحجر المنزلي. ويأخذ شكلين أساسين: معنوياً وجسدياً.

هناك نساء تقدّمن بشكاوى ضدّ معنّفهنّ، وأخريات تراجعن عن ذلك. وكأن الخوف والتردّد عادا يخيمّان خاصة في هذه الظروف الإستثنائية.

دائرة العنف

بحسب بيانات كفى، تبيّن أن دائرة العنف خلال فترة الحجر توسّعت لتشمل إضافة الى الزوج، الأب والأخ والخال.

المتابعة مع القوى الأمنية

أفادت قوى الأمن الداخلي أن الخط الساخن 1745 المخصّص لشكاوى العنف الأسري شهد ارتفاعاً بنسبة 100% في عدد التبليغات التي وصلته مقارنة بعدد الحالات التي تلقّاها في آذار 2019.  

تجدر الإشارة هنا الى أن قوى الأمن الداخلي أطلقت بالتعاون مع كفى والهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية هذا الخط في 5 تشرين الثاني 2018، الذي أخذ وقتاً ليصبح فعّالاً ومعروفاً. لذلك من الطبيعي أن تكون النسبة الحالية بالمقارنة مع نسبة الإتصالات التي وردت إليه في آذار 2019، أي بعد أربعة أشهر فقط على إطلاق الخط الجديد، كبيرة الى هذا الحدّ، وهي بالتالي لا تنقل بالضرورة واقع الحال.

إلّا أنه وبمعزل عن دقّة النسب والأرقام المتداولة، وجود هذا الخطّ سهّل مهمّة التبليغ المباشر للقوى الأمنية عن التعرّض للعنف. كما أن متابعة القوى الأمنية للإخبارات التي أحالتها كفى اتّسمت بالإيجابية والجدّية. فالنيابات العامة تعاملت مع الوضع المستجدّ بليونة وحرّرت وسائل الإثبات.

مثال على ذلك، حضور سيّدة الى فصيلة للدرك وعلى جسدها آثار للضرب الذي تعرّضت له، فجاءت إشارة المدّعي العام بحضور طبيب شرعي لمعاينة السيّدة، لكن الأخير رفض أن يحضر بسبب الحجر المنزلي، عندها طلب المدعّي العام من المحقّق الإكتفاء بوصف مشاهداته وتدوين وتوثيق حالة العنف بالمحضر.

التحديات

تتخوّف كفى من ارتفاع نسبة العنف في الأسابيع المُقبلة إذا طالت فترة الحجر وزاد الوضع الإقتصادي تدهوراً، لذلك ستسعى الى إيجاد مكان آمن للسيّدات وأطفالهنّ وتفعيل طريقة التواصل المضمونة في هذه الفترة. كما أنها ستواصل متابعتها مع القوى الأمنية، وستبقى على السمع ليلاً نهاراً لأي إتصّال ولتقديم الدعم المطلوب.

ففي هذه الظروف الصعبة، نحن بحاجة للوقوف جنبا الى جنب مع أكثر الفئات هشاشة في مجتمعنا. البقاء في المنزل والعزلة لا يعنيان البعد الإنساني عن الآخرين، بل القرب والتواصل مع المحيط والحرص على سلامة الجميع، من المرض ومن العنف.

لذلك نطلب أيضاً من الجيران والمعارف التبليغ عن حالات عنف بحال كانوا شاهدين عليها لخط كفى الساخن أو لخط قوى الأمن المخصّص للعنف الأسري.

وسنتابع إصدار تقارير شهرية لمتابعة وضع النساء وأطفالهنّ ورصد مستوى العنف بأكثر قدر من الموضوعية والدقّة.