البعثة العلمانية الفرنسية جمعيّة لا تتوخّى الربح تهدف إلى نشر اللغة والثقافة الفرنسيّتين في جميع أنحاء العالم من خلال التعليم العلمانيّ، المتعدّد الّلغات والثقافات. تأسّست البعثة في لبنان منذ أكثر من قرن، وهي تضمّ اليوم ما يزيد عن 8000 طالب و 1000 موظّف بالإضافة إلى أكثر من 100.000 متخرّج. ونظرًا لكونها المرجع الأوّل في تدريس المنهج الفرنسي في لبنان تاريخيًّا، باتت البعثة جزءًا لا يتجزّأ من نسيج قطاع التعليم الخاص في البلاد.

واليوم وفي ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة السيّئة في لبنان، أصبحت البعثة العلمانية الفرنسية ومدارسها الثانوية الخمس في خطر. في الواقع، حتى لو كانت البعثة، ضمن مؤسساتها، رائدة في مجال شفافيّة الموازنة (بفضل عمليات المراجعة الخارجية التي تتم كل عام)، وإن كانت قد عملت في تضامن (من خلال إنشاء صناديق التضامن) وبصرامة فيما يتعلّق بالمطابقة مع النظام الفرنسي (من خلال تكليف إدارة مؤسساتها لرؤساء مؤسسات الخدمة المدنية الفرنسية التي تدفعها الدولة الفرنسية)، عليها أن تواجه تغييرًا سريعًا للغاية جرّاء الأوضاع الاقتصاديّة في لبنان.

ومع ذلك، فإنّ هذا التغيير هو أمر جديد تمامًا على قطاع التعليم الخاص اللبناني، حيث أنّ جميع المؤسسات لا تحقّق أي ربح وتبحث عن موارد خارجيّة، مما يعتبر غير صحيّ وغير منطقيّ وفق القانون 515/1996.

النتيجة الواضحة: لقد سجّلت البعثة العلمانية الفرنسية، وهي إحدى المؤسسات التعليمية الخاصة الوحيدة في البلاد التي قامت شركة مستقلّة بتدقيق حساباتها، عجزًا قدره 24 مليار ليرة على مدى 3 سنوات، مما اضطرها إلى تقديم ميزانيات تظهر عجزاً.

لم تتخلى البعثة يوماً عن تقديم أعلى مستوى تعليميّ ممكن بسعر التكلفة. وبالإتفاق مع 4 لجان أهل، قامت البعثة بالفعل بتخفيض التكاليف غير الأساسية للتعامل مع عجز المؤسسات، حتى لا تضطر أن تمرّرها للأهالي لدفعها. كما نجحت في نشر جهاز التعليم عن بعد بجودة معترف بها، وفي وقت قصير للغاية.

لكن الأزمة الاقتصادية التي بدأت قبل 4 الى 5 سنوات تدخل اليوم أصعب مراحلها، وقد تكون الأكثر خطورة التي مرّ بها لبنان منذ استقلاله. واتّضح أنها أتت أصعب على قطاع التعليم الخاص بسبب عواقب تطبيق القانون 46/2017 المتعلّق بأجور أعضاء هيئة التدريس، والذي طبقته البعثة بالكامل ممّا أدّى إلى زيادة في الرسوم الدراسية بنسبة 30٪.

قد تكون واحدة من نتائج هذه الأزمة أنّ بعض العائلات اللبنانية لم تعد قادرة على تحمل المصاريف الضرورية لتشغيل المدارس التابعة للبعثة. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ النظام التعليميّ الخاص لمدارس البعثة العلمانية الفرنسية في لبنان ليس نظامًا يتوخّى الربح. إنها مساهمة، مثلها مثل المؤسّسات التعليمية الأخرى في القطاع الخاص، تهدف الى تحضير الشباب لبناء مستقبلهم ومستقبل بلادهم، والتي تخضع بوضوح لقانون العرض والطلب، وبذلك فإنّ الأسر ليست ملزمة اطلاقاً بإرسال أولادها إلى هذه المدارس.

في مواجهة الأزمة الاقتصادية والنقدية، التي تفاقمت بسبب الأزمة الصحية جرّاء الوباء العالميّ، فإنّ ردّة فعل الأسر التي تمارس ضغطًا قويًا على المدارس ليس مفاجئًا بالنسبة للبعثة، التي تشاركهم قلقهم الكبير. ولكن من المهم أن نلاحظ أنهم ليسوا الوحيدين الذين يعانون من هذا الوضع الإقتصاديّ الذي يثقل بدوره كاهل المؤسسات بشكل كبير أيضاً، وسيتعيّن على الأخيرة تحمّل عجزاً متزايداً على الرغم من أنّ البعثة لا تتصوّر أنّها ستطالب الأهالي بتسديد الكلفة الإضافية المتوجّبة عليهم حسب القانون 515/1996.

تقوم البعثة العلمانية الفرنسية بتحصيل جميع الرسوم الدراسيّة بالليرة اللبنانية دون زيادة منذ 2017/2018، وقد التزمت بإبقائها على ما هي عليه للعام الدراسيّ الحاليّ. ونتيجة لذلك، أدّى انهيار الليرة اللبنانية في الواقع إلى انخفاض قيمة رواتب الموظفين ورسوم التعليم، بالقيمة المطلقة، بنسبة 50٪ على الأقل.

كل هذه الجهود المالية لها حدود ونؤكّد أنّنا قد وصلنا إليها.

تتفهّم البعثة العلمانية الفرنسية كليًّا وضع العائلات التي تعلّم أولادها في مدارسها وترى نفسها في مواجهة تخفيضات في الأجور أو الدخل الحرّ، وحتى أنّها تضطر الى القيام بعمليات التسريح. ومع ذلك، فإنّ أولويات الأهالي مضطربة بالكامل جرّاء هذه الأزمة فهم ضحّوا بأنفسهم الى الآن من أجل تعليم أولادهم. كل هذا سيجبر البعثة على التخلّي عن توظيف المعلّمين الأجانب بسبب انهيار العملة المحليّة، وإنهاء العديد من وظائف عاملين محليّين أيضاً.

يجد قطاع التعليم الخاص نفسه يضعف أكثر فأكثر وقد أصبح مستقبله في خطر حقيقيّ، بينما هو بالفعل ركيزة من ركائز النظام المدرسيّ الوطنيّ. إنّ اللوم المتبادل لن يحلّ أي شيء، سواء بالنسبة للأهالي الذين يجبرون على بيع ما يملكون، أو للمدارس التي تجبر على إغلاق أبوابها.

إنّ البلد ومدارسه بحاجة إلى الاستقرار الذي لا يمكن أن يأتي من الأهالي أو المدارس. تتحمّل الدولة وحدها، بجميع مكوّناتها (التنفيذية والتشريعية والقضائية) في نهاية المطاف، العبء الثقيل وعليها وضع الخطط اللازمة للنهوض بقطاع التعليم الخاص وحمايته. بدون هذا الاستقرار، وبدون مساعدة العائلات، حتى لو من خلال تخفيف الأقساط، لن تتمكّن البعثة العلمانية الفرنسية، أو أي من أعضاء قطاع التعليم الخاص الآخرين، من التغلّب على عواقب هذه الأزمة. إذا لم يتمّ القيام بأي شيء، سيحرم لبنان من تنمية عالية الجودة لموارده البشريّة، وسينتج عنها أيضاً أضراراً طويلة الأمد.

على الجميع، دولةً، وأهالي، ومدارس، تحمّل مسؤولياتهم. أمّا بالنسبة للبعثة العلمانيّة الفرنسيّة فهي قد تحمّلت مسؤولياتها منذ فترة طويلة. وتؤكّد أنّها ستبقى منفتحة تمامًا أمام مشاركة جميع المعنيّين من المجتمع اللبناني وقطاع التعليم، بأي مناقشة حول الحلول التي يمكن اتّخاذها.